الموسيقى الأندلسية: طرب الآلة وحكايات التاريخ الأندلسي في المغرب

تعتبر الموسيقى الأندلسية العريقة، والتي يُصطلح ويعبر عنها في الأوساط المغربية الثقافية بـ “طرب الآلة”، أرقى، أقدس، وأكمل أشكال وأنماط الموسيقى الكلاسيكية الأكاديمية والوجدانية في المملكة المغربية الشريفة. هي قبل كل شيء وبعده، إرث إنساني وحضاري حيّ وثقيل ومهم للغاية، حملته بحذر وتوارثته الأسر والعائلات المهاجرة العريقة والمبعدة من مدن وقصور حواضر الأندلس (كقرطبة، إشبيلية، وغرناطة) إبان مراحل وحقب سقوطها وسقوط الفردوس المفقود. ومع مرور الزمن واستقرار هذه العائلات اللاجئة بحمولتها الثقافية والموسيقية والشعرية في مدن المغرب العتيقة والترحيبة مثل فاس، تطوان، الرباط، الشاون، وسلا القديمة، حيث حافظت بصدق ووفاء على تراثه وقامت بتنقيحه ورعايته وحمايته، جيلاً بعد جيل وكابراً عن كابر، ليصبح بمثابة السند والمشترك الحضاري، ويظل دليلاً سمعياً ناطقاً وحياً على حقبة زاهرة من الرخاء الدنيوي، التعايش الفكري، والترف الفكري الراقي في تاريخ شبه الجزيرة الإيبيرية.

## بنية الموسيقى والنوبات والمقامات الشعرية والآلات الوترية
تعتمد بنية وأسس الموسيقى الأندلسية أو “طرب الآلة” بشكل منهجي ومعقد ومدروس وحصري على ما يسمى في العرف الموسيقي بـ “النوبات”، والنوبة بحد ذاتها، هي عبارة عن منظومات وسلاسل لحنية وشعرية هندسية معقدة جداً، متصلة البناء وتؤدى بمصاحبة آلات وترية تقليدية وعريقة لا تكتمل تركيبة الفرقة ولا يمكن العزف من دونها، مثل: العود العربي الجميل، الرباب الأندلسي المميز الذي يقود السرب والذي يمثل رمزاً وحاكياً لهذا الفن بأوتاره وأصواته الحزينة الشجية، الكمان الشرقي، بالإضافة للضبط الإيقاعي الدقيق الذي توفره الطرطرة أو الدف المسمى “الطار”. من الناحية الأدبية والشعرية، الكلمات في الغالب ما تكون مقتبسة حصرياً من نصوص الموشحات والأزجال الأندلسية، وتتحدث بأسلوب رمزي راقٍ وبليغ وبشكل محبب عن روعة وجمال الطبيعة وزهو الرياض والربيع، عن الحب المتبادل والشريف والصبابة الصافية، والمدائح النبوية الروحانية المطولة، مما يمنحها دون شك طابعاً روحياً صوفياً وجمالياً رفيعاً يتطلب هدوءاً للإصغاء والتأمل الروحي، ويحلق بالسامِع لآفاق بعيدة خارج الجسد وبعيداً عن الصخب المحيط والاستهلاك.

## انتقال من القصور المغلقة إلى الجماهير والمناسبات الوطنية
على عكس ما قد يصوره البعض بأن هذا النوع والمجال من الموسيقى المعقدة والنخبوية قد ظل لقرون حبيس الجدران الكبيرة والقصور الفخمة السلطانية والمجالس المخزنية وجلسات النخبة في المدن الراقية، فقد أصبح في المغرب تدريجيًا وعبر الزمن جزءاً لا يتجزأ أبداً وحجر زاوية لا ينزع من جميع مظاهر الأفراح المغربية، الأعراس الفاخرة، والمناسبات الدينية الكبرى والشعائر الروحية والوطنية المختلفة. فمثلًا، يتم توظيف فروع وإيقاعات من هذه الموسيقى المندمجة لأداء ما يسمى بـ “الأمداح النبوية” وقصائد البردة والهمزية للبوُصيري بوعاء أندلسي هادئ وشجي، تخلق بقوة وفعالية أجواء غير مسبوقة من الصفاء الذهني والحضور والخشوع الديني. بالتالي، ومن هذا المنطلق الواضح والفرح، الفن الأندلسي في المغرب بمضمونه ليس مجرد أداء غنائي أو طرب عابر ومقطوعة تسلية للاستمتاع وحسب، بل هو بالدرجة الأولى ذاكرة تاريخية، مسموعة ومقروءة، وسجل عظيم ومفعم بالروح والمشاعر يوثق ويعكس بشكل لا مثيل له لزمن التعايش الديني، الإنساني، والرقي الثقافي والمجتمعي البارز.

## ضمان الاستمرارية والانتشار والمعهد والمهرجانات العالمية
في يومنا الحالي والزمن المعاصر وبفضل الرعاية، تحظى هذه الموسيقى باهتمام مؤسساتي بارز ورعاية واضحة لا غبار عليها وتوجد وتعمل بنشاط معاهد وطنية متخصصة وموسيقية بحتة ومحترفة منتشرة في تدريس وحفظ هذا الفن (والصنعة) وتناقله وتلقينه للناشئة، إلى جانب دعم جوق ومجموعات موسيقية تعزف وتبني قدراتها، بالإضافة لإقامة وتأسيس مهرجانات دولية ووطنية كبرى وضخمة تجذب بحبور واستمرار عشاق الموسيقى الراقية والسياح من دول مختلفة ومن المهتمين بالتراث وعلم السوسيولوجيا. بقاء وتألق الموسيقى الأندلسية وازدهارها لتكون حية ومزدهرة جداً، محفوظة ومقروءة وحاضرة دائماً دون أن يطالها الغبار في المغرب، يبين بجلاء ويعكس ويوضح بجلاء تام مدى قوة وتجذر وعمق وقوة صمود الامتداد والفعل الحضاري والثقافي المكين للمملكة وقدرتها الكبيرة والاستثنائية والفذة ليس فقط على حيازة، بل على الاستمرار في صيانة، إعادة إحياء الدفء وحفظ وتثمين أندر وأنفس كنوز الإبداع والفن والفكر والوجدان الإنساني.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*
*