الأسواق التقليدية في المغرب: متاهات سحرية تنبض بالحياة

تعتبر الأسواق التراثية أو ما يصطلح عليها أيضاً بـالأسواق التقليدية والحرفية الكبرى، والمتواجدة في قلب وكافة المدن المغربية الحضارية العتيقة والقديمة، وكأمثلة مشهورة وعالمية مثل السوق العتيق والواسع بمراكش أو أسواق المشي والدروب بمدينة فاس العلمية، هي بمثابة الشرايين النابضة التي تضخ وتنبض بالتاريخ، الحركة، التفاعل، والاقتصاد المفتوح والحياة اللامتناهية. وهذا ليس مجرد كلام رمزي، فعملية الدخول الصباحي والمسائي المنتظم والحيوي إلى دروب وردهات هذه الأسواق العميقة هو حرفياً بمثابة مغامرة حقيقية ومذهلة ورحلة استكشاف كبرى وغير محدودة لكافة الحواس الخمس في الإنسان؛ حيث تمتزج وتعج بقوة ودون توقف روائح وأنواع التوابل المطحونة، الأعشاب الجافة الطبية الزكية النادرة مع روائح ورشة ونشارة الخشب، تتداخل ألوان الزرابي، والمنتجات الصوفية، والمعادن المصقولة والزاهية الجريئة وتنعكس بينها وبين أصوات وإيقاعات طرقات ودقات الحرفيين المهرة والصناع وهم يطرقون ويصنعون بمهارة النحاس اللامع ويفصلون جلود البلغة، ليخلقوا بانصهار في المحصلة سيمفونية وكرنفال يومي وعالمي من الصوت واللون والرائحة والألوان.

## التنظيم المكاني والدقيق وتقسيم المهن والحرف عبر القرون
تنقسم وتتوزع وتتمركز أغلب معالم وديار هذه الأسواق المغربية العظيمة والخالدة تاريخياً عادة، وبشكل شديد التنظيم والدقة والانضباط الذي يخضع لأعراف وتاريخ عريق ومهني وتقسيم نقابي محكم ومدروس بعناية تامة، حسب التخصص المهني ونوع المنتوج المعروض من كل زقاق وجناح؛ فهناك “سوق العطارين” الفريد المخصص بالكامل لتجار التوابل المتنوعة، المسك، الأعشاب العلاجية الطبيعية، البخور، والوصفات النباتية، “سوق الدباغين” وورشاته العميقة لمعالجة وبيع أنواع أصناف الجلود بمختلف درجاتها وخاماتها والروائح العتيقة، “سوق الزرابي والغزل” للمنتوجات والأثواب القماشية والمنسوجات التزيينية من الصوف، و”سوق السراجين والسرج” لمعدات الخيول الجلدية وأدوات الحراثة والفروسية، وهناك أيضاً أسواق فرعية للصاغة من الذهب والفضة والحدادين. هذا التنظيم المهني والأساسي الذي استمر وتطور يعود بحزم وصرامة دقيقة وتاريخية لقرون ماضية وطويلة، ووُضع بشكل هندسي ذكي لا يتكرر لكي يضمن ويحافظ باحترام على هيبة، حقوق، استقلالية ومكانة كل حرفة وتنافسيتها المشروعة. التجول بهدوء واستمتاع في هذه المتاهات المكانية الجذابة والمتفرعة الضيقة، التي توفر مناخاً دافئاً وبارداً للمشي، يكشف بثقة وسرور ومتعة عن العشرات من أندر كنوز العالم الحرفية المتبقية الحية المخبأة، وعن أسرار ورشات وحوانيت صغيرة جداً قد لا تتجاوز بضعة أمتار تتوارى خلف الجدران لكنها تبدع سلعاً وتحفاً في صمت.

## المساومة والنقاش: لغة التواصل والحوار الإنساني التجاري
كما أن ما يميز السوق في المدائن والحواضر المغربية بعيداً عن السلع، هو كونه أيضاً وبالأساس فضاء مفتوحاً وحراً بشرياً وواسعاً لثقافة ومهمة وممارسات التفاوض والتواصل والحوار، أو ما يطلق عليه في دارجة المغاربة بـ “المساومة”، وهو جزء وجانب أساسي ولا ينفصل من طبيعة وحجم اللعبة الثقافية والاجتماعية المستمرة والتفاعلية بين الشخص البائع والتاجر المحنك وبين الزائر أو المشتري الحذر؛ حيث تغلف هذه العملية الكلمات الطيبة، الاحترام والكلمة، واللطافة، والنكتة المحلية والمزاح وحسن الحوار البشري، بغاية تحقيق ثمن عادل ورضا الطرفين وإيجاد تسوية واتفاق يرضي الجائع للبضاعة. ليس المقصد والهدف دائمًا وبمطلق وحسب هو الشراء والحصول على المنتوج، بل هو في المقام الأكبر التواصل الإنساني والتعرف على الزبون، وتقييم جودة وتاريخ القطعة والمنتجات وتقدير الجهد والقصص، الحكايات الكامنة والمضمرة، والظروف المعيشية والماضية التي تختفي وراءها هذه المنتوجات والسلع والتي تم نقلها وحفاظ هذا التاجر البشوش عليها والتمتع.

## الاقتصاد الحرفي المحرك وتحديات الحداثة للحاضر والمستقبل
ومن الجدير بالقول وللأمانة، هذه الأسواق وكافة دروبها وتفرعاتها ليست ولا يجب أبداً اعتبارها فقط مجرد مزارات جذابة للسياح وللالتقاط، بل هي حقيقة، واقعياً ومحلياً وبشكل يومي ومستمر وحتمي، تمثل العمود الفقري البنيوي والمحرك والمشغل والداينامو الاقتصادي الوطني والمعيشي والحقيقي الذي يستقطب وتدعم حركيته واقتصاده المباشر وتنافسيته آلاف الأسر والحرفيين وعمّال المياومة والنقل والتوزيع وكل من له يد. إن الحفاظ الشديد والرصد والتمويل لهذه الفضاءات الفريدة والمشتركة وحمايتها التامة وبقوانين رادعة وأعراف من الاندثار أو خطر الزوال والتشويه وسياط العمراني الحديث والمتسارع والمتغوّل، هو مسؤولية وواجب، وضرورة قصوى وملحة وحتمية لضمان والحفاظ على ما يمكن من الهوية، والذاكرة الحضرية والمعمارية المغربية الحية الملموسة، وضمان الاستمرار، وتجنب طمس وإلغاء الروح، والقيم الأصيلة والبقاء المستدام والمربح لجوهر وواقع المدينة المغربية والأرث الحضاري لكي يبقى إنساناً يتفاخر بمستقبله وأمام السياحة والحرف والتجارة البدوية والتقدمية.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*
*