الأمثال الشعبية المغربية: حكمة الأجداد في لسان الأحفاد

تشكل “الأمثال الشعبية” والحكم الرائجة بفرادة في التراث الشفهي للمغرب كنزاً حياً وملكاً مشاعاً ودقيقاً ومحكم الصياغة، فهي تمثل بصدق عصارة مكثفة ومدروسة لتجارب مريرة وأخرى مفرحة، وتجمع لقرون طويلة من العيش المتبادل، المشترك، والترحال، صُيغت وتم تناقلها واختصارها ونظمها بدهاء وحبكة وإتقان وعناية شديدة بلغة المغاربة، أي “الدارجة” السهلة، البسيطة الإيقاع، والقريبة للقلوب الدافئة والعقول والوجدان، لكنها في جوهرها تحمل في طياتها المبطنة ورسائلها المخفية والواضحة معانٍ، رؤى ومسارات فلسفية، دينية، تنظيرية، واجتماعية شديدة الغوص والعمق. تختصر هذه الأمثال والتعابير اليومية والمخزنية المتداولة الدروس، والمحطات والمحن القاسية والمفرحة والعبر في مسار الحياة البشرية العادية، وتعتبر بحق وحقانية ميزاناً ودستوراً، ومرجعاً معيارياً، أخلاقياً موثوقاً وسلوكياً ثابتاً غير مكتوب، يوجه الأفراد داخل المجموعة والتجمع، وينصحهم، ويعتمدونه في كافة تواصلاتهم وتعاملاتهم الشخصية والتجارية ومسار حياتهم اليومية، العائلية وتطورها الدائم.

## مواضيع ومقاصد شملت الطبيعة، القيم، والصبر والتحمل والتعلم
تتنوع، وتتفرع، وتتعدد بشكل رهيب ولا يحصى، آلاف مواضيع وقصص وخلفيات الأمثال الشعبية الزاخرة والمغربية الأصيلة، لتشمل وتطال بلا إخفاق واستثناء كافة وتفاصيل الجوانب والتحديات من أنساق ومراحل الحياة والتفكير العتيق؛ فتجدها تلكم بقوة وحزم عن أهمية الصداقة وقيمتها، التلاحم والعائلة ومكانتها، الجدية في التجارة وضرورة العمل، وفضائل الصبر، الإيمان وحتمية الخضوع والتسليم لتقدير والقدر والرزق المكتوب. مثل مقولتهم وقولهم المشهور في التراث والدارج: “الّلي فكرشو العجينة كتخاف وتطير من أو تنخطف من النار” للدلالة بشكل مباشر وبلا حرج أو تأويل معقد على أن الشخص المذنب، المخطئ سراً أو الخائن والضعيف يعيش نفسياً وعملياً ودائماً وأبداً في قلق مستمر وترقب وحذر وخوف من الفضيحة واكتشاف مساره المتلعثم، أو مقولة ومثل “ما يشري حد أو شاري الحوت والنون أو السمك وهو لا زال مختفي في البحر والأمواج” للمنع والتحذير بقسوة والمنع التام من جميع أنواع وأشكال المغامرات الوهمية والمجازفة بالمال وتصديق الكذب والمشاريع غير واضحة ومحسوبة النهايات والعواقب المرجوة وغير المكتملة والمخادعة.

## تشفير القيم والرسائل في قوالب اجتماعية والانتقال الشفوي
كما أنها، وفي تحليلها، تؤسس وتعكس بقوة ودون مواربة أو نفاق، العديد من الأمثال والحكم والأقوال المغربية القديمة، طبيعة وشخصية المجتمع والشخص والكيان المغربي والمزاج المنفتح والمنبسط القريب للصلح والعفو، والمتدين والمتحفظ في قراراته ومساراته المتوازنة وفي وقت واحد. فهي بدورها ومنظومتها ورسائلها، تمجد وتقدر عالياً وعميقاً وتثني كثيراً على إشاعة ورسوخ ومؤازرة قيم وسيم الكرم، حسن الجوار، إكرام الغريب، الأنفة والرجولة الحقة والتأزر وملازمة الجماعة وتدبر وتوكل، والتآزر، وبموازاة ذلك وقسوتها، فهي تنتقد وتسوط بكلمات وسطور وأمثال بحدة وبلا رحمة وتكشف أقنعة البخل، البخيل في كلامه وماله، النذالة، الشح، الكبر الوهمي، والرياء، والنفاق المتلون والكسل. إنها باختصار، تعد بمثابة لغة وسنن وتواصل حي ومشفر ومقنن في ذاته، تفهمها ويحفظها بقرب وتفاعل تام وبسلاسة تامة وسرعة العاطفة والوجدان الشعبي الجماعي والجمع، وتستخدم بشكل شبه مقنن في المداولات ويتم طرحها واستحضارها سريعاً في المجالس والدوواين والمواقف العائلية والخاصة لفض وإنهاء وتقزيم العديد من الخصومات أو النزاعات الحادة والمعارك اللسانية وتستعمل لتقديم التوجيه الناضج والنصح المعنوي للأبناء والمقربين بلباقة وتودد ودون أي تجريح مقصود أو مواجهة أو إساءة وفضح مباشر للغير والمعني بأسلوب أدبي رفيع وعفوي.

## تحدي الرقمنة والانتقال وتطوير واستدامة اللغة الأم والثقافة الشفهية
في هذا الوقت الحساس من مسارات وعصر التطور السرعة، الذكاء والرقمنة وزخم العولمة الجارف، لا ولن تفقد، ولا تزال هذه الأصناف والكنوز والأمثال المغربية الشعبية محافظة على رونقها، بريقها وحضورها، حاضرة بقوة بل وتستعمل وتطبع بقوة غير متوقعة، متصدرة ومواجهة ومنتشرة حتى في أحدث فضاءات ومنصات وسائل وتطبيقات التواصل الاجتماعي والتصوير وتبادل الرسائل الحديثة وغيرها، مما يؤكد بلا شك، ويثبت بجدية ووثوق عميق استدامتها وقوة صلاحيتها وثباتها المدهش، ويبرز تكيّفها وملاءمتها وحضور فعالياتها وتفسيراتها لمختلف المراحل والحقب ولكل الأزمنة والعصور وتحديات البشر والحياة وتنوعهم. دراسة وتحليل وبحث الأمثال والأقوال الشعبية وتجميع وتصنيف القصص هي ليست دراسة للملل وحسب بل مفكك ومفتاح أكاديمي وبحث ذهبي جوهري سوسيولوجي وتاريخي لفهم وللوصول لعقل وماهية وتكوين وتفسير العقلية والنفسية الجماعية، العاطفة والخصال المغربية الفريدة، ومعرفة ودراسة مقومات وكيفية وطرق مواجهتها وتقبلها وإدارتها للعالم، الطبيعة والمجتمع الخارجي وتفاصيل الحياة العميقة وتقديسها العميق والسرمدي وتثمينها العالي التكلفة، لعهد الموثق الشفوي والوعد أو “الكلمة” والميثاق التي تعتبر مقدسة ولا رجعة وميثاقاً شرفياً مقدساً وعهداً وشرفاً غلظ لا نقاش فيه أو الرجوع وغليظاً ومهماً وحاسماً وغير مكتوب ولا يعلى عليه وفي جميع مناحي وفي الثقافة وتراث الشعيبة.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*
*