صناعة الفخار في المغرب: لمسة من طين وإبداع من نار

تتجلى صناعة وجودة فنون حرف الفخار والأواني والخزف المطلي والمتعددة الأصناف والأنواع في المغرب الأقصى بمثابة حوار حضاري، تفاعل وعلاقة وطيدة وارتباط تاريخي وحميم ومستمر ومتعدد الأبعاد المادية والجمالية بين اليد البشرية والإنسان الصانع الماهر البسيط من جهة ومحيطه والأرض من جهة، ومادة الطين والماء الممتدة والتي ترمز للولادة والانبعاث. مدن وربوع وعواصم معروفة ومهمة مثل مدن ومعاقل آسفي الساحلية، مدينة فاس العريقة جداً والعتيقة، ومدينة سلا المحاذية لنهر أبي رقراق تعتبر كلها بشهادة الجميع معاقل، ومدارس وورشات تاريخية وصناعية تقليدية عظمى ومستقرة وفريدة ومختصة بلا منازع لهذا الفن القديم الذي يرافقه التاريخ ويعبق، حيث تناقل وتوارث وتلقّى الحرفيون (أو المعلمون الكبار وخلفهم) وتعلموا وحافظوا كالأمانة على أندر وأدق وأعقد وأقدم وأهم أسرار وتقنيات وأدبيات تشكيل، طوي وتطويع مادة الطين الخام الميتة وتحويله وبعثه وصناعته إلى قطع وأوانٍ للاستخدام وأشكال نفعية ضرورية وعملية وفي نفس الوقت ذات أبعاد جمالية لا تنتهي تزين ببهاء وجمال وتفرد وتملأ أغلب ومختلف مجالس زوايا ودهاليز البيوت والعائلات المغربية المتنوعة، وكذلك يتم تصديرها كأعمال ولوحات ومقتنيات وتحف غالية الثمن للتزيين والعرض لكبرى القصور والمحطات وللساحات والمطاعم والبيوت والجلسات العالمية ومحافل الزينة والديكور الدافئ الخارجي والدولي.

## تقنيات التشكيل ومراحل العمل التقليدي الشاق
تبدأ وتشهد أطوار هذه العملية الطويلة والمتقنة والمضنية لاستخراج المواد والإنتاج وصناعة الخزف باستخراج، تنقية، تنظيف وتحضير، وعجن وتسخين المادة الأولية والطين الحي والطبيعي ومعالجته المائية واليدوية القاسية والطويلة والصارمة في مقالع قريبة ومخصصة لذلك لاستخراج الحجر وفصل وإبعاد الشوائب والمواد الغريبة وتنظيف وإعداده بشكل دقيق وعميق وصحيح للتحول، ثم تأتي فورًا المرحلة الأساسية والسحرية والمدهشة والمبهجة للرؤية بامتياز وهي مرحلة التشكيل الدائري والعزف السلس، والصناعة والحفر والدوران السريع جداً والثابت، والتشكيل باليد ببراعة فائقة على طاحونة وحجر “اللولب” اليدوي الدوار أو العجلة القديمة التقليدية والميكانيكية السريعة الدوران والمهارة التي تعمل بالرجل حيث تبدع وتنطلق بحرية وإبداع وتألق وبسرعة فائقة ولمسة سحرية وعجيبة أنامل الصانع والحرفي المغربي الخبير البارع وذو الحس الفني العميق والدقيق وحضوره الذهني العالي والصارم واللامتناهي لتصميم وخلق وابتكار وإبداع عدد وأنواع وأحجام مذهلة من أوانٍ ومواعيد نفعية عديدة وأشكال لا تحصى وغير معروفة كالطبسيل وتصميم الطنجيات وأشكال متقنة الاستدارة ومختلفة منها أواني مثل الطبق الشهير، “الطاجين” المخروطي والمعتمد عالمياً، أوعية “القصرة” العميقة للكسكس، والكؤوس القرمزية والقلل الحافظة وموقد وجمر “المبخرة” للطيب والبخور وغيرها، بعد عمليات التجفيف القاسية وتحت أشعة وأهوال الشمس الحارقة وحرارتها المتأنية ولفترة قد تطول، تدخل، توضع وترص هذه القطع الجميلة المنحوتة إلى باطن وحلق أفران تقليدية متقدة وعميقة وطوبية جداً مبنية يدوياً وتاريخية ونارية حارقة وذات درجات حرارة ضخمة لتحرق ولأيام ولفترات محددة وصارمة وأيام، لتخرج بعد ذلك صلبة تماماً وقاسيا ومطهية بشكل جيد ومستعدة تماماً ومكتملة للمرحلة الأخيرة والأبرز، وربما تعد الأجمل والأبهى والأرقى بصرياً وفنياً ومجهوداً: التزيين، الزخرفة والصقل بالألوان البراقة والرسومات اليدوية التفصيلية المستوحاة، الدقيقة المعبرة بعمق من عالم وجمال الطبيعة المغربية والهندسة التجريدية والتكرارية الإسلامية الدقيقة المتجذرة.

## التنوع والألوان المميزة ونجاح الحرفة عالميا واستدامتها الصديقة
يتميز كل مجمع وكل منطقة بأسرار لونها وطينها، فنجد خزف آسفي مثلاً وتاريخياً وحاضراً يشتهر ويتفاخر بألوانه الزاهية بقوة ولمعانه المائي ورسوماته البحرية والزرقاء، المتماوجة والنباتية والشعاعية المترابطة، بينما يشتهر بالمقابل ويتميز وينفرد بشكل حصري جداً ورسمي منتوجات خزف ومصنوعات وفخار مدينة فاس الروحية والعتيقة باللون الأزرق الملكي الفريد الخاص بها (أزرق الكوبالت) الصافي والرسوم والزخارف الهندسية المعقدة المحافظة والمغلقة والدقيقة الجدية جداً والثابتة والكثيفة. علاوة وفضلاً على ذلك، الفخار القروي والأمازيغي المنتشر في أعالي السهول والقرى النائية وصناعات ومداشر الجبال المنتشرة يتميز بملامح وقوة بساطته العفوية وتصميمه البدائي الطبيعي الخلاب، والتشكيل القاسي القائم أساساً وبشكل شبه كلي واستخدامه الآمن والصديق المحض لألوان ومساحيق وأصباغ طبيعية بدائية ونقية وغير سامة مئة بالمئة مستخرجة من قلب المعادن الجبلية والنباتات المجاورة والرماد، مما يجعل هذه الأواني الطينية البسيطة والبدائية والمتينة يجعله صديقاً كلياً ونزيهاً للبيئة بشكل مذهل، ومفيداً جداً وموصى به وصحياً للاستخدام المنزلي وطبخ الخضار وتبريد الماء للحياة المعاصرة رغم التطور الاستهلاكي. ورغم تقدم العصور وانتشار ومنافسة شرسة وعالمية لكافة وتطور وكثرة ووفرة جميع أنواع الأواني الحديثة والصناعية والزجاجية والمعادن وغيرها من مستلزمات العصر والطبخ السريع والمقالي التكنولوجية والمنخفضة، يظل بشموخ وصمود ومفاخرة وجود وثبات الفخار المغربي وتنوعه هو وبكل المقاييس والمستويات المادية والجمالية والسر وسيد المائدة والمخزن والمهمة المغربية، خاصة وملزماً بشكل لا يقاش وحاضراً في تفاصيل وإحضار وتقديم وتزين أبهى والاحتفال، ورموز الطبخ، وتقديم الطعام ومشاريع جميع المناسبات الكبرى والولائم الفخمة. إنه، وبدون مبالغة وتجرد، يذكرنا بعمق وأصالة بجذورنا الأرضية والترابية والطينية البشرية، وبجوهر وبساطة العيش والطعام الطيب والبطيء والراحة. الحفاظ الإجباري على استمرارية ونقل هذا الفن من اندثار يتطلب دعم ومواكبة الحرفيين الشباب والمبتدئين وحمايتهم وعوائلهم واستدامتهم وتشجيعهم وتحفيز معاهدهم للاستمرار في مهنة مضنية مادياً وبدنيًاً تتطلب تركيزاً وصبراً كبيراً وعشقاً لا ينضب للإبداع اليدوي ولتشكيل وتكوين وصناعة الطين الجميل.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*
*