المخطوطات المغربية: كنوز معرفية محفوظة في خبايا الزوايا
يمتلك ويحتضن، ومن دون منازع ومبالغة، المغرب الأقصى بفخر وريادة تاريخية منذ أمد بعيد واحداً من أكبر وأغنى الخزانات والمواقع وأضخم مستودعات التوثيق للحفظ التامة للمخطوطات التراثية الأصلية والمخطوطة في العالم العربي والعالم الإسلامي؛ وهي تمثل بكل معايير وموازين البحث وعلوم التاريخ ثروة ودليلاً معرفية هائلة تغطي وتحيط تقريباً بكافة المجالات التخصصية وشتى ومختلف العلوم والمنافذ كالعلوم الإنسانية والتفكير المنوعة والأساسية من علوم الفقه والشريعة ولغة وقرآن إلى تطور نظريات وسطور لعلوم وطرائق الطب التشريحي وعلم الفلك الدقيق المذهل المتقدم، وكيمياء، هندسة الجبر والتاريخ والتراجم. هذه المخطوطات والوثائق النادرة الثمينة ليست في محصلتها أبداً مجرد طلاسم أو أوراق قديمة متهالكة بالية وتآكلت الأضلاع ولا وزن وعلم لها تترك للنسيان في مخازن الأرشيف المعزولة، بل هي بكل حيوية وواقعية السجل، الهيكل الإنساني والذاكرة والصحيفة الحية والمستوفية لعموم مفكري وعلماء وجهابذة المغرب وأعلامه الذين أضاؤوا بشكل هائل وواسع وبارز بعلمهم ومعارفهم الواسعة مسارات وظلام ومسافات الغرب الإسلامي المظلم وأوروبا ومن حولهم ولنهضتهم المعاصرة وباقي شعوبها المتمدنة وغيرها.
## التوزيع الجغرافي المؤسساتي للخزانات والنفائس التاريخية والمجهود الفردي الشجاع
تتوزع وتتناثر هذه القطع، الأوراق والمجلدات والمجلدات اليدوية الثمينة والمؤطرة والكنوز الثقافية والتاريخية بتنوع فريد وغني بين فروع الخزانات الملكية العظيمة والرسمية كبرى والمتحفية (وخاصة الخزانة السلطانية التراثية الوطنية)، وبين عراقة وغنى محتوى وأرشيف أقدم الخزانات التاريخية العامة والوقفية الوطنية والعالمية الوازنة والعملاقة المتمثلة (كالخزانة الحسنية الهامة، أروقة المكتبة الوطنية الساهرة في العاصمة، وخزانة جامع وجامعة القرويين التاريخي)، ولا ننسى خزانات بيوت الأسر والمكتبات التابعة لكبار ومختلف الزوايا، ومراكز التدريس، والخزانات المعتمة للعائلات الأندلسية والعريقة والشخصيات في القرى والحواضر. ولنا كمثال ساطع وأهم دليل، ومحتويات ومخازن نفائس أقبية مخطوطات “القرويين” بفاس، التي تعتبر قانونياً ومصنفة دولياً وتعد أقدم وأعرق وبامتياز كجامعة مستمرة في التاريخ البشري العالم، فهي وحدها تضم وتحفظ بشكل إعجازي نسخاً فريدة ثمينة، مبهرة لا يوجد، ولا توجد وتعد ولا تحصى من النفائس لها أي نظير ولا نسخ وأمثلة أو بدائل مساوية لها في أي سجل أو مكتبات وأي مكان أو أرجاء المعمور وآخر، والتي حرص علماؤها وتمت كتابتها وسحبها وتسجيلها بماء الذهب أو المداد العريق وبخط وأمانة محترف جداً ومتقن على صحائف من جلود وبطون الحيوان المعالجة الصافي “الرق” أو نوع الورق الصلب الطبيعي المعروف بـ “الكاغد” المعالج والمغربي الممتد والرفيع الجودة والصناعة المحلية ومضاد للتلف وتأثيرات المناخ عبر القرون.
## الزخرفة والنساخة والصنعة المتخصصة والتغليف وتقنيات الورق
تتميز بصرياً وفنياً وموضوعياً المخطوطات المغربية عن نظيرتها بجودة عالية متجردة وصارمة وحفظ لنسخ وحرفة فن النساخة المطول، التذهيب والتنضيد، المراجعة الصارمة جداً والتصحيح الدقيق والاعتماد السريع والمعتمد، وغالباً، بل ودائماً ما يُشرح وتتضمن جنبات صفحات المجلد وحواشي وهوامش دقيقة وحواري وتعليقات العلماء، تقيدات وأفكار واجتهادات متضاربة وإضافية علمية التي تثري وتغني بعمق وفاعلية أطراف، وسياق وعمق وصلب متن وفهم ومجرى وأفكار الكتاب والمؤلف الأساسي ومؤلفاته وتضيف قيمة علمية للنسخة منقحة. كذلك وبشكل استثنائي وجمالي، عملية تزين، تجليد وشد ورباط وحفظ وصنع غلاف الكتاب أو المجلد الخارجي والمحيط والحامي بمادة وقوة الجلد المغربي والمحلي الطبيعي القاسي الفاخر والمصبوغ المذهّب، المنقوش بتفصيل وترتيب يدوياً وبدقة مبهرة وعلامات هندسية نباتية ورسوم، والتي يضيف بدوره شكلاً وكمالاً وبريقاً وبها وقيمة وهالة ووزناً فنية جمالية نادرة وباهضة جداً لحفظ وصون هذه المؤلفات العظيمة والكتب العلمية، وحماية أوراقها من غبار التلف ومن عوادي ولطخات الأزمنة والأيادي وحافظا لرسالتها عبر النقل وعبر الزمن في رحلات.
## التحديات المناخية والطبيعية والإجراءات الجادة لضمان الحفظ
الحفاظ الآمن والمستمر والصعب اليومي المتقن والرقمي على هذا الغنى والتراكم والمخطوطات والممتلكات يواجه العديد وشبح التحديات الكبيرة والمخاطر والصعاب المحدقة كتأثير وتغيير وتقلبات الرطوبة المناخية المؤثرة، ديدان تأكل وأرضة الورق، والعبث والإهمال والتعرض المحدود للممارسات كالسرقة والتلف أو بيعها بأبخس الأثمان للغرباء، لكن الجهود الكبيرة ومؤسسات ومشاريع الدولة الاستباقية الوطنية، الأكاديمية والقطاعية والعلمية الجبارة الرسمية المستمرة بكل وتيرة في استرجاعها وإعادة جمعها وشراءها بشتى السبل من الخواص ومؤسسات المزادات، ثم القيام بمراحل وفحص معالجات وترميمها المتطور ورقمنتها العالية والمكلفة بشكل آلي وبتصوير دقيق، وتسهيل وضعها لتدريس وبحث وعلماء المهتمين، يمثل ويظل واجب وطني وتاريخي، إن عملية كسب ورهان تحقيق وثاني، وإخراج، وتنقيح وإعادة هذه المؤلفات المخطوطات السردية المهمة من سجون العتمة والرفوف الخشبية العالية المنسية والمغبرة والغرف الكبيرة وتحقيقها ومحاسبتها ودراستها وتعديلها علمياً بدقة هو واجب وعقد وحتمية وجوهر التزام وطني وعقد أخلاقي مستمر ورئيسي يربط ويصل بقوة وفخر معطيات واكتشافات ونجاح الحاضر بالماضي ومفاخره التليدة، وهي تثبت وتؤكد بصراحة وبشهادة قاطعة أن المغرب عبر أبحاث وتوال تاريخه، كان وبلا انقطاع ولا محالة دائماً أرض أمان علم وإشعاع قاري وفكر لا يغيب ولا يهدم، وأن ملامح وجذور وبنية وبطولات وأثر قوة الشخصية المغربية الإيجابية المتمركزة والبناءة عبر القرون مبنية حصرياً وراسخة ومتأسسة ومحكومة بتأثير وتثبيت قوي على أسس ومبادئ وأعمدة راسخة ومتينة للغاية وعميقة من أسس البحث المعرفة المنفتحة، والتفكير الأكاديمي والمدارس المنوعة والبحث القوي والمستمر اللامنتهي عن بلوغ اليقين والحقيقة وسبر ومواكبة العالم الجديد المشتعل بأبعاده.

