طقوس العرس المغربي: رحلة من الخطوبة إلى ليلة العمر

بطبيعة الحال، طقوس ومراسيم حفل وعادات العرس والزواج المغربي العريق الأصيل، تتجاوز بأشواط ومسافات بعيدة بمراحل جميع وتعمق مفهوم الارتباط بأنه ولا يمكن اختصارها ولا يعنى بها كونها وحصرها مجرد ومراسم حفل قران واتفاق أو حفلة ضيقة توقيع عادي لتأسيس أسرة أو حدث عقد خطوبة وقران شرعي عابر، بل هو بحقيقية وتطور وواقع وحرفياً مهرجان وتظاهرة احتفال فني أسطوري وبصري وروحي ضخم ممتد، واحتفال جماهيري كرنفالي يستمر ويتواصل ليالي ويمتد تفاعله وتعقيداته التحضيرية في العادة لعدة وأيام طوال وربما ومساءات لأسابيع من التهيئة ومجالس التعبئة والفرح، ويجمع ويختزل ويوثق بصورة مدهشة، كثيفة، مذهلة ودقيقة كل تنوع وروعة جمالية وثراء مكونات العادات والتقاليد الثقافية والفنية السائدة والإرث المغربية المذهلة بمكوناتها، وفسيفساء، في كل شاردة وتفصيل ومراحل تنزيل اللباس المحلي الفاخر بكل مشاربه والأصوات والألحان والموسيقى بكل أطيافها، وفنون إعداد المأكولات، الطبخ، ونسج وتوثيق والروابط الوثقى والتضامن العائلية. هو ليس مجرد أو احتفال زفاف فقط وعابر لعرسان يعبران طريق الحياة والمستقبل، بل هو بحق وللجميع وبكل فئاته مهرجان وعرض شعبي جماعي ممتد وحافل يتميز بانتقال ومرور تفاصيل، تحركات دقيقة وصارمة وتبدأ خطوته وانطلاقه بتعارف وتوافق رسمي من أيام ومشاورة “الخطوبة”، وتمر وتتطور عبر جلسات العائلة ثم تصل وتصعد وتنتهي وتقطف إلى قمة، ذروتها ونهايتها السعيدة، الحزينة المؤثرة والجميلة والمباركة في مراسم ومحط ونقطة ما يعرف بسهرة ليلة ومحفل “العرس” أو الدخلة الكبرى.

## يوم الحناء السعيد وطقس الهدية والاحتفال التضامني والجماعي الفطري
من أهم وأقدس وأجمل اللحظات الأنثوية والفارقة العاطفية والمميزة جداً، والحاسمة السعيدة المفعمة بالبساطة العاطفية والحيوية والعلاقات الأنثوية في برنامج العرس وبداية المغربي السعيد والمفعم والمؤثر نجد يوما ومرحلة مخصصة لطقس “يوم الحناء” المنفرد والمستقل والروحي، حيث فيه بشكل حميم ولا يفوت تجتمع وتتوافد بسعادة وللمباركة كافة الجارات، والصديقات المقربات جدًا والأمهات والقريبات بمحبة حول العروس من أجل بدء طقوس ووضع ونقش مادة ووضع عجينة الحناء السوداء والذهبية الطبيعية المباركة بشكل هندسي وفني جميل وراسخ على يدي ورجلي ومناطق العروس البكر وفي جو مفعم برائحة البخور، وأغاني الأهازيج التقليدية وكلمات الأدعية وبحر من أصوات وبطرب الزغاريد العالية والمتناغمة. يلي هذه الأمسية المليئة بالسعادة والمحفوفة والمتلألئة وذلك يوم مشهود وحافل يسمى بيوم ومسيرة أو “الهدية” المعروف أو الدفوع، حيث يرسل، يتقدم ويقدم أهل وشخص العريس وجميع العائلة بفخر كل أصناف وأشكال وطيف الهدايا الراقية والمخصصة المتفق والمجهزة ومهر العروس (من أثواب فاخرة غالية، وتمر، سكر مجسم، الذهب والمجوهرات ومواد النظافة والأطقم الثمينة) للعروس المنشغلة والمحمية، كل هذا يتم بتباه وفخر واستعراض جميل في موكب استعراضي ضخم ومرتب، واحتفالي منظم ومسير في الطرقات يعم الحارة والمجال وينطلق مصاحباً ومكللاً بضوضاء وفرح وأهازيج وموسيقى وضجيج وموسيقى الفنون الجميلة كـ “الدقة المراكشية” الصاخبة، أو فرق “الغيطة” (المزمار) وضرب ونغمات إيقاع البنادير والطبول إشهاراً بين كافة الجيران والسكان والمقاطعة بالزواج والسعادة البالغة وتوزيع الحليب والورود في مشهد مؤثر.

## التألق الملكي، النكافة، التكشيطة ولحظات وموعد ركوب العمارية التاريخي
أما في يوم، وعند حلول لحظات ومساء وليلة العرس الكبير والانتظار الساحر، تظهر السيدة وتتجلى، بعد تحضيرات طويلة، والعروس بأبهى صورها وملابس بـألوان مختلفة وهي ترتدي الزي الرئيسي والثقيل المسمى “التكشيطة” المغربية الواسعة والفاخرة بامتياز كبير، وبشكل استعراضي ساحر ومنظم تتعهد وتتكلف وتتغير فيه ملابسها وأرديتها مرات وطلات عديدة ومتعددة بألوان وزخرفات مبهرة خلال السهرة الجماهيرية وذلك لكي تجسد بقوة وتحاكي وتعرض ثراء وتمثل وتنوع الأزياء بين جهات وقبائل وتاريخ المغرب الملون المتعددة (اللباس الجبلي الشمالي الملون والخفيف، الفاسي الثقيل المرصع بالمجوهرات الباهظة والتاج العريض، الأمازيغي المزركش بالفضة واللوبان النادر، والصحراوي أو الملحفة العريقة المحتشمة). هنا يبرز نجم واحتراف ومايسترو، ومهندس ودور رئيسي لسيدة وقائدة الليلة والبروتوكول “النكافة” التي تعتبر المشرفة القوية والكل بالكل والرئيسية المعتمدة بعقد على إبراز جمال العروس المتألق ورعايتها وزينتها طوال المراسيم المرهقة وتغيير الملابس، وهي باختصار مؤسسة وشخصية مرجعية ومحورية لا يمكن إنجاح العرس ولها السلطة في العرس. واللحظة الأكثر حماساً، بهجة، تشويقاً وتصويراً وسحراً على الإطلاق ورهبة هي طقس وركوب وإطلالة العروسين الشابة بزينتها المفرطة في المائدة أو الهودج المسمى بـ”العمارية” المغربية الملكية أو “الميدة”، حيث يُرفع ويُحملان بسعادة وبهجة ووقار على الأكتاف القوية والرقص في الهواء، وفي موكب عظيم، بهيج وملكي تصاحبه الفرقة الموسيقية والتصفيق.

## ختام المراسيم والوليمة الكبيرة: التلاحم والكرم وإبراز الإرث الذي لا يقدر بثمن
العرس والمحفل المغربي الكبير يعتبر وبكل تأكيد وتوثيق وحميمية، هو التجسيد الفعلي الحي والمباشر العالي والعميق الحقيقي لحاتمية ومعنى الضيافة والكرم المغربي الأصيل الأسطوري والواسع النطاق؛ حيث فيه تُعد بسخاء هائل ومبالغة وتسهر طواقم ضخمة على طبخ وتقدم بانتظام وللجميع وخلال أوقات متفرقة أطيب وألذ وأغلى الأطباق المغربية وأصناف الأطعمة التقليدية المعقدة والغنية الباهظة بأساليب مختلفة (البسطيلات بأنواعها المكلفة، الشواء وطواجن اللحم المحمر بالبرقوق وغيرها، الفواكه الطازجة والمتنوعة والحلوى اللذيذة) في جو مرح ومفتوح ومبهج لا ينقطع وتملأه أصوات، أوتار الموسيقى الحية المبهجة والرقص والبهجة. هو كذلك وقبل كل طعام، مناسبة وفرصة استثنائية وجوهرية لتجديد وتمتين كافة الأواصر والروابط الاجتماعية والأرحام، التقارب والتآخي ومحو الخلافات بين كل العائلات والمجتمعات والحضور الأصدقاء، والاحتفاء الصادق بميلاد، جمع، بدء وإرساء قواعد حياة زوجية وتكوين وبناء لبنة جديدة لأسرة شابة. ورغم رياح وتأثير وبكل صراحة كافة تطور مظاهر الاختصار في الاحتفال الحديث وبعض التسهيلات والاستعانة بالفنادق العصرية وقاعات الأفراح المكيفة الباهظة والفيلات، تظل بشكل عميق وثابت ودائم وأبدي كافة القيم الجوهرية والروح والجوهر التقليدي الموروث الصميم ثابتة الجذور وقوية ومحترمة وحاضرة بقوة وتطبق، مما يضفي ويجعل على حضور ومعايشة هذا الزفاف والعرس المغربي الأسطوري الكبير أندفاعا، وتجربة معايشة غاية في الثراء وفريدة لا تُنسى ولن تمحى ذكراها ومحمودة من العقل لكل مشاهد، محب، أجنبي ومن كل من جاورها، حضرها وغاص في ألوانها ودهاليز تفاصيلها وسبر أسرارها العجيبة وفن الترحاب والكرم المعطاء بها وفي جميع محطاتها.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*
*