الزرابي المغربية: منسوجات تحكي قصص القبائل والأطلس
الزربية المغربية التقليدية المنسوجة بعناية ودقة الصوف، ومنذ القديم، ليست أبداً وتحت أي مسمى مجرد وحسب قطعة قماش للتزيين أو فراش لتدفئة الأرضيات وفرط لتغطيتها العادية، بل هي بكل تجرد وعمق فني ورسالة مادية وتجسيدية رائعة “لوحة تشكيلية فنية وفلسفية مدهشة ومفعمة بالأسرار” والمواد الطبيعية منسوجة يدوياً وبعقد لا تحصى وبأسلوب فذ ومتأني، تخفي بتكتم وراء خيوط تشابكها الملونة وتوزيعها بدقة ورموزها وغزلها، وفي قلب وبرها العالي، مجموعة عميقة من العلامات وتختزل آلاف الأسرار الكامنة والرموز التعبيرية وقصصاً حية نابضة تعود وتسافر بك وحكايات ناطقة من عمق وحقبات ومراحل وصفحات التاريخ والثقافة الأمازيغية الصامدة والعريقة والمجتمع البدوي والمغربي الأصيل وتحديات وقساوة عيش القرى النائية والمحاصرة. مدن ومناطق وربوع مغربية واسعة تعد خزاناً بشرياً هاماً ومعروفة مثل مناطق وقرى تازناخت الفنية العميقة المشهورة، وهضاب وجبال خنيفرة الشامخة التي يضرب بها المثل، وحاضرة والرباط الإمبريالية والمشعة وأسفي، تعتبر جميعها وأسوارها العتيقة معاقل متينة، موثوقة ونقاط تاريخية وأرضاً صلبة ورائدة لهذا الفن اليدوي والأنثوي الأصيل بامتياز وتنافسية كبرى يعتمد بصرامة وموثوقية في مواده الأساسية والحصرية والمحضرة من غسيل وتمشيط وألوان على مادة الصوف الطبيعي النقي المحلي الأصلي المتوفر فقط والأصباغ الطبيعية والنباتية والنباتات المقطوفة والمعدنية الصافية والآمنة 100%.
## التقسيم والمزاج الإبداعي الأمازيغي الحر والرقي وصرامة التزيين والزخرفة الحضري
وتُقسم وتتعدد مدارس واتجاهات صناعة ونشأة الزرابي المغربية باختصار شديد وشهير وأكاديمي لتوجهين رئيسيين يسيطران وبارزين ومدرستين متباينتين تماماً ومتميزتين في المغرب ولكل منهما جمهوره وطلبه: أولاً الزربية الأمازيغية أو “البربرية” العفوية والحرة بكل أطيافها، ثم في المقابل الزربية “الحضرية” الراقية والتجارية العتيقة (المعروفة والمدرسة بالرباطية وتطوان وغيرها). والزربية الأمازيغية الدافئة وذات الوبر الطويل والجودة المشهورة مثل طراز زربية وتحفة “بني ورين” الفاخرة الملمس والشهيرة والمحببة دولياً جداً، تتميز وترتكز بالأساس وتلفت الانتباه بعفويتها وجمال بساطتها الجريئة والحديثة وتغلب ألوانها الطبيعية الهادئة جداً والسائدة الخافتة (اللون المستوحى من لون الغنم مثل الأبيض الكريمي والرمادي والأسود الخافت المتناقض)، مع تواجد ونقش عفوي ودؤوب لمجموعة من الخطوط الهندسية العائمة والمستقلة والرموز الهندسية المعبرة والتي تعبر وترمز سيسيولوجيا عن التفاؤل والخصوبة للأرض، ومحاكاة قوة وجمال وتجدد الطبيعة، ومعتقدات ورموز الوقاية من شر الحسد والعين والقدر والنحس. ورغم عدم وجود تصميم أو قالب محدد ومرسوم مسبقاً لكل قطعة، فكل “عقدة” صوف متلاحمة وشديدة، وحلقات تنسج في هذه الحرفة والزربية هي سرد حميمي وباطني صادق، وحوار صامت ونفسي وتعبير بين أوهام، أفراح وتعب المرأة المنسجة في الجبال وأحاسيسها الدقيقة ومزاجها وتقلباتها ويومياتها ونظرتها للعالم وطبيعة قسوة أو شتاء أو خريف محيطها.
## الزربية الحضرية الرباطية والتأثير والمدرسة الفنية المعقدة الأندلسية
أما في الضفة الموازية، ومع اختلاف وتباين المدرسة والهدف والمنشأ والألوان وتناسق النسيج والمقص والملمس القصير، نجد نوع وشريحة وموديلات نوعية الزربية والمدرسة الحضرية المعاصرة وتحديداً والأشهر وهي الزربية “الرباطية” العريقة، فهي تعكس بثقة وبهاء، وتسعى لتمثيل وتحاكي بوضوح وتمثيل وصرامة وتعقيد وتكلف كبير حجم الرقي وبهاء وتأثير الحياكة والفنون الموريسكية والزخرفة والتلوين المستلهم الأندلسي والشرقي بكل تجلياته وبأبعاده وتعقيداته الفارسية والسجاد الصغير الشرقي الحاضر وتطور. حيث تتميز هذه الزخرفة والتصميم بدقة مدهشة وهندسة ورسم أولي للرسام وألوانها الداكنة القوية الغامقة المشبعة العميقة البارزة والزاهية (كاستخدام الحمرة ولون الأحمر القاني المميز والأزرق الناري وتباين الأبيض الثلجي المضيء)، وبتوزيع وتنظيم وهندسات محكمة ودائرة للزخارف والأشكال المركزية الزاهية المتلاحقة والمتشعبات المعقدة والمنظمة بشكل آلي وتناظري دقيق ومهني يعاد تكراره يميناً ويسرى التي تشبه وبقوة إلى حد التطابق رسومات وسقوف ونقوش الجدران في القصور. ويجب التذكير، استيفاء وإنهاء وبناء هذه الزرابي المعقدة بكل متطلبات والتزام وتطبيق شروط متانة الجودة الصارمة والنقابة والمقاياس المتناهية الدقة والتقطيع يتطلب بصراحة ووضوح التزاما وصبراً أيوبياً وقوة عمل رهيبة وإتقانا، حيث قد تضطر وتستغرق حياكة ونسج وتزيين وفصل زربية واحدة متوسطة أو متر واحد وإنجاز قطعة واحدة ومساحة ومقاس عدة أطول أسابيع أو بضعة وشهور وأشهر متكاملة وطويلة قاسية من الجلوس والإرهاق والانحناء والعمل والكدس والضغط اليومي الشاق والمؤلم والمنظم من نساء محترفات أو فريق.
## الإقبال والإشعاع والطلب التنافسي والدولي والعالمي واللمسة العصرية كتحفة باهظة
واليوم وسعياً في هذه الحقبة الحديثة والطلب، ومع تنامي وتزايد اهتمام الديكور الداخلي والدولي والعصري الحديث والأمريكي والبسيط واللمسات الغربية بالعصرنة والعراقة، وبعد تسويق عالمي كبير، غدت بوضوح هذه القطيفة أو الزربية المغربية الراقية سواء العفوية والعصرية والصوفية بمختلف تلاوينها ورموزها بامتياز مطلباً وتوجهاً دولياً أساسياً وباهض الثمن ومطلوباً وبشدة، وتتصدر الاهتمام وتزين الصفحات البارزة وتنشر بقوة وصور وفخامة وتزين أجود وأكبر بيوت الأزياء والديكور والعالمية وتعرض في أرقى المعارض والمعارض الدولية والتصاميم والدور والمجلات الأوروبية والأمريكية المتخصصة والمصممة في الديكور الخارجي والبوهيمي. ويرجع ويعود ويثبت هذا الاهتمام الواسع والتقدير الكبير بجلاء لقدرتها ومرونتها المذهلة والساحرة البصرية والجميلة الفريدة وطبيعية على إضفاء ودمج روح التناسق والتباين وخلق طابع ومنسوب وتوزيع مسارات ولمسة دفء عضوي ومريح وفعال للعين، وتعزيز الشعور والأصالة القوية والمتجذرة والتاريخية في وسط وتأثيث وصالت المساحات والفضاءات والصالونات العصرية المعزولة والديكور الحديث الشاحب. إن عملية الشراء وتزيين واقتناء وشراء ومزاملة منتج وزربية وقطعة ومساحة ونسيج زربية مغربية طبيعية وصوفية يدوية هو امتلاك صريح ومشفر وتحصيل واحتضان وتوثيق لقطعة وجزء نادر وأصيل ونفيس لا يتكرر يحوي من روح ومجهود ومقاومة الجبل الشرس وتضحيات وذكاء ولمسات وصبر متمرس من الحرفي أو المرأة الرقيقة والنساجة الحالمة والبدوية، تظل وتسجل بثقة عبر خيوطها وثقلها الباهر وألوانها وثباتها مقاومة وشاهدة وحية على الإتقان الموروث وتاريخ ومقاومة وبسالة وعبقرية نساء وحرفيات الأرياف والجبال في المغرب وقدرتهن وفنهن في تحويل مجرد وبسيط الصوف الخام المتوفر إلى شعر وقصائد ووسيلة ناطقة وتشكيلات ومنحوتات ومقاومة جمالية وبناء تحفة معبرة ومرئي وتراثي يقاوم وتزدهر وقائع الزمن وتدوم ومتمسكة وجميلة ويظل خالداً.

