الزوايا في المغرب: دورها العلمي والروحي عبر التاريخ
ساهمت ولعبت مؤسسة “الزوايا” و”الطرق” الروحانية التربوية والمتصوفة والسنية الإسلامية المنتشرة بكثافة ومنذ نشأتها والرباطات في أنساق ومدن المغرب، على مر ومجرى تعاقب المراحل التاريخية والصعبة، دوراً حاسماً، محورياً شديد الرسوخ والتأثير العميق والقوي والبارز جداً في صياغة توجيه وبناء وتشكيل النسيج العقائدي ومعالم الخريطة الروحية والثقافية والهوية والاجتماعية المتماسكة والوسطية للمملكة. الزاوية والضريح في التصور المغربي والاندماج المجتمعي العميق والأصيل، وفي وجدان المواطن، والعرسان، السلاطين والأهالي والدواوير، ليست ولم تكن البتة بأي حال من الأحوال مجرد أو مقتصرة وحصراً وكمكان منعزل وبناء للصلاة اليومية وأداء العبادة المفروضة وتلقين الذكر الديني والتعبد والتصوف وفقط أو الرقص الروحي، بل كانت عبر توالي وتعاقب العصور والمراحل بمثابة وأداة ومجمع شامل لـ “جامعات شعبية ووعائية، فكرية حقيقية” كبرى مجانية ومؤسسات وملاجئ للتعليم الرفيع وإيواء وحماية أمن الغريب الفقير ومراكز قوية ومنظمة وضاربة الأطناب وفاعلية للتكافل، المساعدة والدعم المالي والاجتماعي الملموس للقبيلة، علاوة على أنها شكلت جبهة وقاعدة روحية جهادية وفكرية، سداً وحصناً صامداً وثكنة ومقراً للدفاع والتلاحم عن ثوابت وأصالة وحرمة وتقاليد وتوجيه الوطن وصون وحدته والالتفاف الدائم حول الملك.
## المدارس والإشعاع العلمي ونشر وتثبيت العقيدة والمتون وحماية المخطوطات
من أمثلة وتجليات ومؤسسات الرعاية من تأثير وعطاء من الزاوية “الدلائية” الكبرى ومناطقها التي بلغت مجدها، إلى الزاوية ومراكز فروعها “الناصرية” الشهيرة بخزانها، والأنوار “التيجانية” الممتدة لأفريقيا وعالمياً، والطريقة “الدرقاوية” أو القادرية الجيلانية، ساهمت وبكل جد واهتمام هذه وتلك المؤسسات العلمية والروحية الكبرى بشكل واسع وحاسم وملموس للغاية في نشر العقيدة وتثبيت الإشعاع والفكر والعلم والمعرفة وحلقات من خلال تأسيس، بناء وتطوير خزاناتها العلمية الملحقة والتي تحتضن وتضم وتحوي لليوم بافتخار عشرات ومئات وآلاف النسخ من المجلدات والمخطوطات والمراجع وأمهات الكتب؛ وفي توجيه، ورعاية وتربية وتكوين وصقل ومئات الأجيال وبناء من المرجعية والشخصيات العلماء البارزين والفقهاء والقضاة. الزاوية والمرابط في السابق وحتى، كانت، وكانت الأهم، أنها هي الضامن الحقيقي والآمن الأساسي والقوي والوحيد لضمان وسريان وتوفير عملية استمرارية التلقين وحفظ التعليم ومحو والأمية الدينية ونشر الإسلام والسنة وبناء الهوية في المناطق القبلية القاسية جغرافياً، النائية، والجبلية والمهمشة الصحراوية والصعبة الولوج والانعزال والمناطق، حيث كانت وتظل حصص ودروس “تلاوة القرآن” الحفظ والذكر على اللوح و”شرح المتون العلمية والأجرومية” هي الغذاء الأساسي والجدول والقوت والمورد اليومي التربوي والمناقش للمريدين الطلبة والباحثين العطشى.
## التكافل المجتمعي والتوسط، حل وإطفاء النزاعات وحق الملاذ وإطعام الطعام
الدور الإنساني الدقيق والتطوعي والمجتمعي الشامل لهذه للزوايا وتشكيلاته، تجلى، ازدهر وبرز بمجده وتمأسس بقوة في وظيفة والتزام ومفهوم عقائدي “إطعام ونشر وإخراج الطعام” والإحسان واستقبال، كفالة وإيواء الطلاب وعابري المسالك السبيل والتائهين وحماية المنقطعين وتوفير المأكل والمبيت دون شرط ولا طرد، وهو حق دستوري ورفيع ومقدس وعرف ما يعرف ويتعارف عليه بتسمية وحرم “دار ومرجعية الضمانة” (من الضمان). كما لعبت تاريخياً بقوة ولعقود متطورة دور العقل والوسيط المصلح والقوي والمحكم والمرضي والموثوق به للفصل ولفض وطي وتهدئة النزاعات الدامية، العصبيات، الحروب الثأر والمشاكل العينية والشائكة وعقد الصلوات والصلح وميثاق وتدبير بين تحركات القبائل والمراعي، بفضل التوقير والإيمان والاحترام الجمعي والهيبة والمكانة والمنزلة السلطانية والكبير جداً الدينية والمكانة والألفة الذي يتمتع ويحظى به السيد أو “شيخ ومرشد الزاوية” وحكمه غير القابل والمبجل والعارف. وفي أشد المواسم والفترات والأزمات الطبيعية وانتشار القحط، الطاعون والأوبئة والمجاعات، كانت تُفتح والمطاعم أبواب وملاجئ مخازن وممتلكات الزوايا الغذائية بسعة وصدر وبتضامن تنفتح بكرامة ورحمة وتسع للفقراء، والمحتاجين للتوزيع واليتامى، مما جعلها وبقوة منبع صمام أمان وروحي وحقيقي وإعانة لتوازن وحماية، وإغاثة المجتمع والفقير والمعطف.
## الدور السياسي ومقاومة المستعمر والروحانية المعتدلة والمتصوفة المعاصرة المتفتحة
سياسياً، ومن الناحية والاستقرار، وفي كل محطاته وحقب وأطواره، كانت فروع وربوع وجل الزوايا السنية وستبقى وشكلت دائماً وأبداً وبدون انقطاع، ركيزة وأسس وجذور دينية من أهم ركائز وروافد مؤسسة إمارة وإجماع “البيعة” العظمى وتجديد العهود والولاء الثابت للعرش، وأمير، وللسلاطين والملوك الأسرة العلوي المجاهد المظفر، وشاركت بكل شراسة، تضحيات وحماس المئات بفعالية ومقاومة مسلحة وميدانية بالأنفس وحضها ومشاركة، وثورات ومقاومة الزحف والمستعمر العسكري الغاشم دفاعاً. واليوم، وبعد وخلال والاستقلال وفي العصر وتوجهه، يظل ويزيد ويتسع الإشعاع الفكري والمحجة والدور التصوف والثقافة المغربي الدائم التوجه “السني والمتعقل والمقيد بأصول الجنيدي”، والذي ما فتئت ولا تنفك ترعاه وتموله ودعمه وتحميه الزوايا المختلفة والمتنوعة، هو عنواناً دولياً وشعاراً عريضاً وملهماً ومكافحاً لرسالة وثقافة الاعتدال الراسخ، التسامح الواسع وتصدير الوسطية السمحة والدين المعاملة والنقاء الجمال والسكينة الروحي، يقف صلداً وحاجزاً قوياً ومانعاً وناشراً ومربياً في مواجهة تيارات التشدد التطرف البغيض والإرهاب والانغلاق والمغالاة، لينشر السلام والمحبة والأخوة محلياً وفي أفريقيا ودولياً بروح متجددة.

